في سنواتها الأولى، كانت الجمهوريات العربية تفاخر بأنها ليست وراثية، وكان قادة الجيل الأول لهذه الجمهوريات، وأجهزتها الإعلامية، وتحديداً في سوريا ومصر وليبيا، ينتقدون بعنف ما يسمونه بـ "أنظمة الحكم الرجعية". وكانت العلامة الفارقة لهذه "الرجعية"، حسب الطرح الجمهوري حينها، أن الحكم فيها وراثي. المفارقة أن فكرة توريث الحكم في الجمهوريات العربية ظهرت أول ما ظهرت في هذه الدول الثلاث، وعلى مقربة منها اليمن، فضلا عن التجربة العراقية التي لم تكتمل بنهاية نظام حكم صدام حسين في العراق ورحيل نجليه عدي وقصي اللذين توليا سلطات كثيرة تمهيدا لوراثة أحدهما الحكم بعد والده.
وقبل أيام أصدر معهد كارنيجي لأبحاث السلام الدولي بالولايات المتحدة، دراسة حول سيناريوهات توريث السلطة في كل من مصر وليبيا واليمن تحت عنوان: "الولد مثل والده: الجمهورية الوراثية في مصر وليبيا واليمن"، تناول فيها احتمالات انتقال السلطة من الرؤساء الآباء إلى "الرؤساء الأبناء"، في الدول العربية الثلاث.
وذكرت الدراسة، التي أعدها الباحث التونسي وأستاذ العلوم البريطانية، العربي صديقي، أن أنظمة الحكم المستبدة في الدول العربية أتقنت مهارات العلاقات العامة ومفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان والاقتصاد الحر، في حين احتفظت بكل الآليات الاستبدادية في صناعة القرار. وأضافت أن "النزعة الاستبدادية" في الأنظمة الجمهورية العربية وصلت إلى درجة تحويل الدول إلى "وسيلة لتحقيق مصالح عائلية محددة وليست مصالح عامة"، وصولاً إلى محاولة إقامة أسر حاكمة في أنظمة جمهورية.
سوريا: من الأسد الأب إلى الأسد الابن
كانت سوريا صاحبة السبق قبل غيرها في ملف التوريث السياسي، حيث يبدو أن فكرة الإعداد لانتقال الحكم من الأب، الرئيس الراحل حافظ الأسد، لابنه باسل الأسد، قد بدأت منذ أواخر الثمانينيات. وعندما توفي باسل في حادث سير بدأ التحضير ليكون الابن الآخر، بشار هو الوريث بعد أبيه. وهو ما حصل بالفعل بعد وفاة الرئيس حافظ في يوليو 2000.
وتبين كيرستين هيلبرغ، التي تقيم في دمشق منذ 2001 حيث تعمل مراسلة حرة للعديد من وسائل الإعلام الألمانية والإنجليزية في مقال لها، أن سوريا عام 2000 تبدو وكأن الزمان قد توقف بها، فبعد مرور 10 سنوات على انهيار الاتحاد السوفييتي كانت الاشتراكية لا تزال سائدة في دمشق. كما بدا الجهاز الحكومي والإدارات العامة والمخابرات وحكومة الحزب الواحد في سوريا وكأنها بقايا من أيام الحرب الباردة، وبدت البلاد وكأنها ستفوتها فرصة اللحاق بركب التقدم. لهذا تولى بشار الأسد الذي لم يتعد عمره آنذاك 34 عاما ولديه آمال أخرى مغايرة تماما، حيث كان جل اهتمام والده الحفاظ على استقرار البلاد، أما هو فكان اهتمامه ينصب على التغيير.
ولم يكن مقررا في الأصل أن يتولى بشار خلافة والده، بل الأخ الأكبر باسل. ولما لقي الأخير حتفه إثر حادثة سيارة عام 1994 حل محله بشار، ولهذا ترك دراسة التخصص في طب العيون التي كان قد بدأها في لندن.
ولضمان تغيير القيادة في سوريا المخطط له مبكرا مهد حافظ الأسد لانتقال السلطة تمهيدا محكما. وقبل وفاته قام في الوقت المناسب بإقصاء الشخصيات القوية داخل الحكومة والتي قد تكون خطرا على ابنه. وفي يونيو 2000 ترك مجموعة قيادية تقف خلف بشار، وبهذا تم التوريث دون مشاكل. وبعد إعلان خبر وفاته قام البرلمان بجعل الحد الأدنى لعمر الرئيس 34 بدلاً من 40، وبعد أسبوع عين حزب البعث بشار الأسد سكرتيرا عاما له ومرشحا للرئاسة وقائدا أعلى للقوات المسلحة. وبعد شهر تم انتخابه عبر استفتاء، حصل فيه على %97 من الأصوات، وفي 17 يوليو 2000 أدى بشار الأسد قسم اليمين الدستورية كرئيس للبلاد.
مصر: جمال مبارك "بزنس" وسياسة
"مولود وفي فمه ملعقة ذهب".. هذه العبارة اعتاد الشباب المصري إطلاقها على أقرانهم ممن ترك لهم آباؤهم ثروة وأطيانا بعد رحيلهم، نفس العبارة يطلقها الكثير من المصريين على جمال النجل الأصغر للرئيس مبارك، فمنذ ولوجه الأول إلى عالم السياسة، وانضمامه عام 2000 إلى عضوية الحزب الوطني الحاكم الذي يرأسه والده، كان ذلك مقدمة لصعود نجمه سريعا مخترقا عالم السياسة في طريقه للوصول لقمة الهرم السياسي في مصر.
وعن سيناريوهات التوريث في مصر، تقول دراسة معهد كارنيجي إن المسرح يعد لتقديم جمال مبارك باعتباره المرشح الوحيد للحزب الوطني الحاكم، ولكن الأمر لن يكون سهلاً إذا لم تتم عملية نقل السلطة إليه في وجود والده الرئيس مبارك.
الخلفيات السياسية المتواضعة لنجل الرئيس دفعته لاختيار الدخول إلى معترك السياسة من باب "البزنس"، وبسرعة التفت حول






















